إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1095
زهر الآداب وثمر الألباب
قل : « أما بعد ، فإنّ في الصلح بقاء الآجال ، وحفظ الأموال ، والسلام » . فلما سمع القوم هذا الكلام تعانقوا وتواهبوا التّرات « 1 » [ أبو مسلم ] قال عبد اللَّه بن مسعود « 2 » : لما أمر أبو مسلم بمحاربة عبد اللَّه بن علي « 3 » دخلت عليه فقلت : « أيها الأمير ، تريد عظيما من الأمر » ؟ قال : وما هو ؟ قلت : عم أمير المؤمنين وهو شيخ قومه ، مع نجدة ، وبأس ، وحزم ، وحسن سياسة . فقال لي : يا بن شبرمة ، أنت بحديث تعلم معانيه ، وشعر توضح قوافيه ، أعلم منك بالحرب ؛ إن هذه دولة قد اطردت أعلامها ، وامتدت أيامها ، فليس لمناوئها والطامع فيها يد تنيله شيئا من الوثوب عليها ، فإذا ولَّت أيامها فدع الوزغ بذنبه فيها . قال بعض حكماء خراسان : لما بلغني خروج أبى مسلم أتيت عسكره لأنظر إلى تدبيره وهيبته ، فأقمت فيه أياما ، فبلغني عنه شدة عجب ، وكبر ظاهر ، فظننت أنه تحلَّى بذلك لعىّ فيه أراد أن يستره بالصّمت ، فتوصّلت إليه بحيث أسمع كلامه ، وأغيب عن بصره ، فسلمت فردّ ردا جميلا ، وأمر بإدخال قوم يريد تنفيذهم في وجه من الوجوه ، وقد عقدوا لرجل منهم لواء ، فنظر إليهم ساعة متأمّلا لهم ، وقال : افهموا عنى وصيّتى إياكم ؛ فإنها أجدى عليكم من أكثر تدبيركم ، وباللَّه توفيقكم . قالوا : نعم أيها السالار ، ومعناه السيد بالفارسية ، فسمعته يقول ، ومترجم يحكى كلامه بالفارسية لمن عبّر له منهم بالعربية : « أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها سبب الظَّفر ، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام ، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب ، وعليكم بعصبيّة الأشراف ، ودعوا عصبية الدناءة ؛ فإن الأشراف تظهر بأفعالها ، والدناءة بأقوالها » .
--> « 1 » الترات : جمع ترة ، وهى - بوزن عدة - الثأر ( م ) « 2 » في نسخة « عبد اللَّه بن شبرمة » ( م ) « 3 » خرج عبد اللَّه بن علي حين مات السفاح وولى الخلافة أبو جعفر المنصور في سنة 137 .